
قصة قصيرة
"فرانسوا 2"
Title
Title
Title
Title
قصة قصيرة
"فرانسوا 2"
جون بنيامين
بقلم/
٢٠ يونيو ٢٠٢٠ في ١١:٠٢:١٩ ص
بصوت رشا
**لم يكن الحال أكثر وضوحا في مستشفى الصحة النفسية.. ظل فرانسوا كعادته قليل التحدث رافضا البوح بما داخله.. يضيف غموضا فوق غموض.. وتكتم فوق إبهام..
ربما كان صوت العقل يحتم على دنيا تجاهل الأمر برمته.. فرانسوا غريب عنها.. بالكاد تعتبره صديق زوجها.. ولا توجد أية علامات على كونها تلك الصداقة المتينة التي تجعل عنقها مثقلا بواجب نحو فرانسوا.. ولكن ما حدث كان العكس تماما..
دنيا: دكتور هو عنده إيه ؟!..
-ممكن تكون مجرد صدمة.. وممكن تكون المسألة أعقد من كده.. هو فحوصاته سليمة.. لكن مش قادرين نعرف منه أى حاجة..
=أنا كنت بسمعه بيكلم نفسه كتير
-هو تحت الملاحظة حاليا ولسه مسجلناش نوبات بالشكل ده......
**مجدي.. ربما كان الوحيد الذي تبادل أحاديث مطولة نسبيا مع فرانسوا.. وربما كان السبب الوحيد لتقبل فرانسوا الحديث مع مجدي.. هو الموافقة المتبادلة على عدم التعمق في الأسئلة.. فرانسوا كان يكره الفضول بشده.. وهو ما يتنافى مع طبيعة الحى الشعبي.. الذي لا يعبأ فضول سكانه بحصانة الجدران ولا الأبوب
المغلقة.. وربما كان هذا من أهم أسباب الغرابة في أعين أهل الحى نحو فرانسوا.. فالتكتم في أعينهم تعالي.. والأسرار في حجبها شك وريبة..
فكانت أحاديث مجدي كلها نحو لحظة حاضرة لموضوع محدد..لا يعبث بماضي ولا أسئلة فوق طاقة مستمعها.. وليست هى تلك الأحاديث التي تنشئ صداقة.. ولكنه الوحيد الذي كان يتحدث معه..
وذهب مجدي بأسراره الخاصة وأسرار فرانسوا إن وجدت..
مجدي شخص من أهل الحى يسكن في ذات العمارة التي يسكنها فرانسوا.. ورغم ذاك لم يكن هناك تزاور بينهما.. فكأنهما إجتمعا على مساحة مشتركة لا تتعدى 1% من حياة كل منهما ....
أشعر بدوار شديد..
لما أجد الوعى دوما في حيرة..
أن يصير الوعى قناة للشك حتى في تواجده يجعل الحياة جحيما..
أن يفصل الوعى بين الواقع والخيال ليس دوما بهذا القدر من الوضوح
ليس دوما فاصلا منصفا نزيها..
كثيرا ما يتنازل الوعى للخيال على حساب الواقع
كثيرا ما يكون الوعى مدلسا
بات اختلاط الواقع بالخيال مرهقا حتى غابت عن عيني تلك المرساة التي كنت أتعلق بها متى سحبتني تيارات الخيال.. تلك الموجات غطت عيني حتى اعتدتها.......
**لم يكن معروف الكثير عن ماضي فرانسوا.. كان غريب الأطوار حقا ولا يعرف أحد تحديدا من أين أتى أو لماذا سكن في هذا الحى الشعبي البسيط.. ورغم طبيعة الأحياء الشعبية من كثرة التساؤل حول الساكنين الجدد وما إن كانوا مرشدين للأمن في هذه المنطقة.. إلا أنهم بعد فترة ألفوا وجوده بينهم ولم يتسائلوا مجددا حول هويته الحقيقية أو محل سكنه فيما مضى..
كان فرانسوا ذا جسم رياضي بتكوين عضلي متناسق.. يرسم لك صورة عن خضوعه لتدريبات مكثفة في فترة من حياته ليصل لهذا التكوين.. وهو ما ظهر فعليا في مشاجرة وجد نفسه منغرسا في أحداثها مدافعا عن أحد الضعفاء.. فلم يبذل جهدا وفيرا في إنهاء التعدى.. وربما كانت تلك الحادثة مما ساهم في تقبل أهل الحى له.. لما وجدوه فيه من مبادئ ومروءة.
كانت مواعيده ثابتة في تلك الفترة الأخيرة.. خروجه بعد الغروب ليتسلم الوردية الخاصة به كحارس ليلي.. وعودته مع هدوء الفجر وأحيانا فترة الظهيرة.. وقت بداية الحياة اليومية للكثيرين.. لا أحد يعلم الشركة التي يعمل بها.. ولا المكان الذي يقوم بحراسته.. صامتا يذهب ومتكتما يعود.. ربما يلاحظ عليه البعض قبعة سلاح الجوية التي يرتديها في ذهابه للعمل.. هل هو ضابط سابق.. هل هو مدعي.. هل هو مختل.. ربما لا توجد فرضيات أخرى لوجود القبعة سوى تلك.. في سيره شئ من الفخر والعزة.. يوحي بأنه لم يعش تلك الحياة البسيطة فترة طويلة من حياته.. تفاصيل صغيرة من تصرفه توحي بأنه كان مكتفي الإحتياجات الأساسية ولا يعبأ بها ويتفرغ لما هو أرقى.. وبلغة الحى الشعبي كانوا يلقبوه ب "إبن العز".. رغم أنهم لم يلحظوا عليه مرة واحدة مشتريات كثيرة أو مقتنيات لجعل غرفته أكثر رفاهية..
......
قد ترتبط فترة الشيخوخة بفقدان للذاكرة أو ضياعها أو تشوشها.. ولكن ما أعانيه أنا .. يختلف تماما.. فأنا لدى ذكريات لا يتسع لها عمري المذكور في الأوراق الرسمية.. متى وأين عشت كل تلك الذكريات..
هل مررت بتجربة الحب يوما.. أشعر بآثارها داخل قلبي.. وإنما من دون بيانات واضحة.. بقلبي ندبات لهفة وشوق.. شروخ لقاء وترك.. ولكن أين ملامحها.. أين هى ومن هى.. وهل كانت هى أم هن؟
هذه الذكريات المتلاطمة كادت أن تزيحني نحو الجنون.. أين أنا..
.....
**وحتى أجرة غرفته الزهيدة كان يتم دفعها في الموعد المحدد.. فيبدو أنه لا يستطيع إستئجار مكان أكثر رفاهية.. ولكنه لم يظهر عليه التأفف مرة واحدة.. فكان الرضا ملئ عينيه..
لم يتردد عنه التواجد في المقهى مثل سائر رجال الحى.. أو كان على تواصل مع البعض.. فكانت ساعات النهار هى فترة نومه.. وفي ذهابه للعمل كان أغلب الحى في فترة الراحة.. كان من الصعب تلاقيه معهم.. وإن تصادف مروره لم يكن يعبأ بتواجدهم.. فإعتبرهم من مكونات ديكور واسع.. وإعتبروه كومبارسا مثير للتساؤل حتى يتم إختطاف العين بمتحرك آخر في المشهد..
ولم يكن عمره يوحي بكثرة المغامرات فهو بالكاد في أواخر الثلاثينيات.. لكن رغم أنه لا توجد معلومة واحدة عنه محققة.. إلا أنه من المؤكد أنه لم يكن شخص عادي..
ورغم تقبلهم وجوده وعدم استطاعتهم التوصل لمعلومات عنه.. إلا أن فضولهم لم يهدأ يوما ما..
ربما كانت الأسماء الوحيدة في قائمة تعاملاته.. مجدي.. دنيا.. إبراهيم..
....
في شرودي أنظر للحائط المقابل.. ربما كان هناك جهاز أو لوحة.. لم تستطع أن تملك إنتباهي.. فظلت عيناى شاردة كما لو كنت أنظر لحائط خال.. حتى بدأت عيناى تفصل الصورة أمامي.. بدأ اللون الأبيض يتفكك كستار معشق.. وفي انسحابه يبدأ في التفتت كألوان الطيف..
تنفصل الصورة كما لو كانت من طبقتان فوق بعض فقدتا إلتصاقهما وبدأتها التحرك..
حتى بدأ صوته مخاطبا.. فرانسوا..


