
بردية إفتتاحية
فيها حاجة حلوة

بصوت سالي
بقلم رئيس التحرير/ رانيا عطية

كيف ترى المشهد ؟!
كيف ترى الصورة ؟!
جميلة ... ؟! أم قبيحة ...؟!
كاملة ... ؟! أم منقوصة ...؟!
مبهجة ...؟! أم كئيبة ....؟!
الكثير والكثير من الإجابات المختلفة لنفس الصورة ولنفس المشهد ولكن كيف تتباين الرؤية لنفس الشيء في نفس الوقت وذات اللحظة بعين أخرى لشخص آخر يجلس بجوارك يشاهد ؟!
الإجابة بكل بساطة أن (كلُ يرى بعين طبعه ) وهو مثل له أكثر من رواية ولكن أقربها وأكثرها وصفاً للموقف هي "سير ثلاثة أشخاص معاً ليلاً فشاهدوا رجلاً يحفر الأرض في الظلام... قال الأول أنه قاتل ويريد أن يدفن قتيله !وقال الثاني بأنه يدفن ماله لأنه لا يجد من يأتمنه ! أما الثالث فقال أنه رجل صالح يحفر بئراً للماء".
الرؤية لا تعتمد فقط على قوة إبصارك ولكن هناك كثير من المؤثرات التي تؤثر وتتحكم فيها. الرؤية تعتمد على البصيرة، كيف ترى الصورة وما فيها من زوايا ونقاط مخفية غير مرئية بالعين المجردة.
الرؤية تحتاج أمل، يجعلك ترى ما تتمنى أن تراه بدون أن يصل إلى هلاوس وتخيلات ومستحيلات وهذا أمر حميد لأن من يأمل في رؤية جمال المشهد ، سوف يحاول جاهداً أن يكون جزءاً منه وسبباً لحدوثه أو على الأقل مشجعاً وميسراً له.
الرؤية أيضاً تحتاج صفاء الروح وجمال النفس وهذا هو أهم ركائز الرؤية ( كن جميلاً ترى الوجود جميلاً ) هذه الكلمات للشاعر العظيم إيليا أبو ماضي وعبر عن هذا المعني بكل تمكن في الأبيات التالية من قصيدته (كن جميلًا)...
أيّها الشّاكي وما بك داء .... كيف تغدو إذا غدوت عليلا ؟
إنّ شرّ الجناة في الأرض نفس .... تتوقّى قبل الرّحيل الرّحيلا
وترى الشّوك في الورود .... وتعمى أن ترى فوقها النّدى إكليلا
هو عبء على الحياة ثقيل .... لمن يظنّ الحياة عبئا ثقيلا
والذي نفسه بغير جمال .... لا يرى في الوجود شيئا جميلا
إلى آخر القصيدة الرائعة وهذا يؤكد أنك ترى الصورة ليست مجردة ولكن تغلفها روحك فتري الوردة ولونها الجميل وغيرك يترك جمالها وبهجتها ويرى الشوك في ساقها .. هي هي ذات الوردة !!
وأولى خطواتك لتتمكن من رؤية الجمال في الصورة أمامك أو في الأشخاص والأشياء من حولك هي أن تبدأ بذاتك تبدأ من داخلك ابحث عن الجمال الذي تتمتع به وهنا لا أعني جمال الشكل ولكن أعني جمال النفس ( لا ينبغي أن يكون الجمال في الجسد ، بل في الروح - للكاتب الروسي الشهير أنطون تشيخوف ) ابحث وحتمًا ستجده ، وعندما تجدته وتتعرفت عليه حاول تغذيته وتنميته وأضف له صفات أخرى جميلة فهي موجودة ولكنها كامنة أو مستترة ... لأنها الفطرة التي خلقنا وفطرنا الله عليها ولكن قد يأتي عليها غبار المواقف والحياة فتبهت ألوانها وتسّكِنْ حركتها داخلك . كل ما تحتاجه هو أن تبحث .. تجد ... تنفض الغبار ... لتجعل جمال روحك يتنفس وترى به جمال ما حولك .
نشاهد أخبار قد تكون مؤلمة تصف مرض أو معاناة أو فقر .... وتجد من ينفخ في النار ليزيد من شدتها ومن عتامة الصورة وتجد آخرين يخرجوا منها بعظة، بدرس أو بصيص أمل .
المشهد : صورة مزدحمة في أحد الأحياء الشعبية في القاهرة بها مواطنين بسطاء وبيوت قديمة شرفاتها الصغيرة يتدلى منها غسيل لملابس بالية وشوارع ضيقة وقهاوي يخرج منها صياح وضوضاء و .. و ... و ...
هناك شخصين يشاهدان هذا المشهد ورد فعلهم كالآتي :
الشخص الأول : صورة غير حضارية مؤسفة تدعو للحرج والتأفف لما فيها من هرج وعشوائية.
الشخص الآخر : صورة بها روح مصرية في كل تفصيلة ، بها أولاد البلد الجدعان بها جمال الشوارع والبيوت رغم بساطتها حتى شكل الغسيل في هذه الشرفات الصغيرة يزيدها جمالا .. ولكنه يرى أيضا أن بها بعض المشاكل مثل الباعة الجائلين وتحتاج المزيد من الاهتمام بالنظافة في الشوارع ... وهذا هو الفرق بين الشخصين
شخص يراها قاتمة وشخص يرى جمالها بدون أن يغفل عيوبها وهذا ما سيساعده في التفكير في حل مشاكلها وتغيرها للأفضل.لا أريد أن تنفصل عن الواقع أو تعيش في عالم إفتراضي تنسجه في الخيال ولكن كل ما أريده هو أن تسير في حياتك وبيدك كاميرا ، هذه الكاميرا أولا لتوثق ما تشاهده من صور وأحداث ، تلتقط الصور لكل ما هو حولك وتفرز ما تراه . ستجد صور غاية في الجمال لا يختلف عليها أحد ، ستجد صور أخرى بها جمال ولكنه محدود أو منقوص وستجد صور أخرى قاتمة ومؤلمة لا تحب أن تراها حولك ..
هل ستكتفي بإلتقاط الصور وفرزها وحسب ؟! .... لا !!
الصور الجميلة ستنشرها في كل مكان وتدعو لتكون أكثر وأكثر ، الصورة المنقوصة غير واضحة الجمال ستبحث عن الجميل المنقوص وتكمله وتبرزه. أما الصور القاتمة التي لا تحب أن تراها ستقوم بدراستها جيدًا ، تحللها وتحاول أن تصلح ما تراه أو تشارك في إصلاحه وتغيره ثم تأخد اللقطة مرة أخرى ... حينها ستكون لست مجرد مشاهد صامت يلتقط صور ويوثق حدث ، بل ستكون شخص إيجابي مؤثر في جمال كل ما حولك ...بيتك ... عملك ... بلدك.
اجعل الكاميرا التي في يدك شاهد على لمساتك وتأثيرك في الصورة ، اجعلها ترى الجمال وتخلقه وبعدها تلتقطه وتوثقه ثم تنشره
ابحث عن الحلو أكيد هتلاقي فيها حاجة حلوة حتى لو الحاجة الحلوة دي هي أنت فده كفاية ...


