

الكورونا -- هل ينذر بنهاية العالم؟
بصوت سالي
سالي عاشور
بقلم/
٢١ يونيو ٢٠٢٠ في ٢:٣٦:٤٩ م
بالطبع قد لا يعد انتشار فيروس كرونا المستجد نهاية العالم.. ولكنه قد يكون نهاية للعالم الذي نعرفه، لنبدأ من بعده عالم جديد قادرعلى التكيف والتطور والإنبعاث من جديد ، وقد لا نستطيع الآن رسم معالمه بدقة، لأننا في مرحلة إنتقالية وهذا بالضبط ما تكلم عنه المفكر غرامشي - Gramsci حين قال: « القديم لم يمت بعد، والجديد لم يولد..».
فقد شهدنا جميعا لحظة غير مسبوقة في حياتنا كأفراد ومجتمعات، وأجبرتنا جميعاً على التوقف عن حياتنا المعتادة لنختبر الحياة من جديد ولإلتقاط الأنفاس ونشعر بضالة ما كنا نسعي إليه، وعدم أهميته أمام جبروت المشهد.
مما لا شك فيه أن الحجر المنزلي أتاح الهدوء لحياة البعض ممن كانوا يعانون من الضغوط سواء في عملهم أو دراستهم، حيث أعطاهم الفرصة للإبتعاد عن الجري يمينا ويسارا وإعادة ترتيب الأفكار والحسابات والتساؤل لماذا كل هذا الجهد؟! كما أتاح للبعض الآخر فرصة إكتشاف ذواتهم ومهارتهم في الطهي أو الرسم، واكتساب معارف جديدة كتعلم لغة أجنبية أو الحصول على دورات تدريبية عبر الإنترنت.
أحد التغيرات الكبرى التي أحدثها الفيروس على حياتنا هى المناداه بالتخلي عن الأنانية والنزعة الفردية وعدم الاقتصار على التفكير على ذواتنا فقد بل يجب منح الاعتبار للآخرين لصحتهم وحياتهم، وأن كل فرد مسئول عن الحد من انتشار الفيروس، ظهرت في الآونة الأخيرة العديد من المبادرات لمساعدة كبار السن على التسوق أو إعداد وجبات يومية لمرضى الحجر المنزلي. كما التزم عدد كبير من الشباب بالعزل المنزلي لحماية الأكبر سناً من خطر العدوى. وهو ما دفع المملكة المتحدة على سبيل المثال لدراسة سن قانون جديد يمنح المهاجرين حقوقا للحصول على الرعاية الصحية.
كما ساهم في تغير العديد من العادات والسلوكيات خصوصا فيما يتعلق بالعادات الصحية مثل الحفاظ على المسافات الآمنة وغسل اليدين المتكرر خشية العدوى، والعمل على تعزيز مناعة الجسم ضد الأمراض. أيضا منحتنا تلك الأزمة فرصة لإعادة اكتشاف الكثير من الأشياء إيجابية البسيطة في حياتنا اليومية، والتقدير والامتنان لأبسط الأشياء مثل مشاهدة فيلم جيد أو قراءة كتاب شيق .
وفي المقابل وتبين لنا أن الفيروس قادر على إحداث تغيرات كبيرة وان كل شي ممكنا على مختلف الأصعدة مع فقد الكثيرين لمصدر، رزقهم توقف الكثير من الأعمال خلال الأشهر القليلة الماضية بما ينذر بتفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية وأن يخيم خطر الكساد الكبير على الأجواء مع تزايد التوقعات بأن نشهد موجه أكثر عنفا مما حدث في الثلاثينيات من القرن الماضي.
وكذلك يسود القلق من تدهور مستوى المعيشة والموت جوعا وفقرا فلا يمتلك الجميع رفاهية الجلوس في المنزل ومشاهدة قنوات التلفاز، كما ساهمت إجراءات الحجر المنزلي في تفاقم المشكلات الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة وتعرض الكثير من السيدات للعنف الأسري خاصة مع تراجع الدخل الشهري للأسر.
لذا يمكن القول إن مواجهة التحديات المقبلة في عالم مابعد كورونا لن تكون بالأمر السهل فالعالم يتطور بناء على قوانين الجدل الأساسية وصراع الأضداد والتي تعزز الحركة وتظهر معالم الخلل في الأنظمة السائدة فتودي بها إلى الإنحلال والتفكك، ثم الظهور بشكل جديد أكثر تطوراً مما كان عليه. فالكاتب (تم هارفورد Tim Harford ) في كتابه بعنوان التكييف Adapt سلط الضوء على ضرورة التكييف مع متغيرات عالمنا الخارجي أو الداخلي السريعة، "أن من الألم يولد الأمل. ومن المعاناة يُصنع النجاح. ومن الخطأ يُتعلم الصواب".
ففي النهاية أتمنى أن ندرك جميعا الدرس وأن نتحول لنماذج ذاتية أفضل أكثر قربا من الله وأكثر رحمة وقدرة على العطف ومد جسور الحب والتواصل مع الاخرين.


