
ما بين إضافة القيمة وإلتقاط الصورة
Title
ما بين إضافة القيمة وإلتقاط الصورة
جون بنيامين
بقلم/
١٥ يونيو ٢٠٢٠ في ١٠:٠٠:٢٧ م
بصوت سال ي
عبر سنين تطول أو تقصر يمهلنا إياها الخالق لسطر رسالتنا في الحياة.. رسالة ينبغي علينا أن نختار كل مكوناتها بعناية..
في البداية نتفق جميعا أن الإنسان لم يأتي للحياة دون سبب وأن لكل إنسان في التاريخ دورا كان عليه ان يقوم به.. ليس من الضروري أن يكون الدور ملحميا.. وإن كان كل دور تم تأديته بأمانة ومثابرة هو ملحمة في ذاته.. ولكن العلة تكمن في معرفة الدور المطلوب وإتمامه.. لأنه هناك أدوارا موازية.. وهناك أيضا أدوارا متتابعة تتم بناء على دورك ورسالتك..
فكل بحث علمي حقيقي هو درجة سلم لغيره من الأبحاث.. كل فكرة نبعت عن عمل جاد كانت قارب إنقاذ لآخرين في وقت لاحق..
فرسالتك في الحياة هى عمل مرتبط بغيرك من الأشخاص تؤثر عليهم بشكل ما بحسب دائرة المسئولية التي تتحرك خلالها..
وعلى توالي الاحداث خلال حياتك.. تدور بين الكثير من الخيارات.. أغلبها يتعلق بما سوف تقدمه في سبيل تلك الرسالة.. ليس ما سوف تقدمه هى في مقابلها.. فرسالتك ليست عملا تتقاضى أجرا من أجله.. وهى قد تكون كيف تؤدي ذلك العمل.. هل أنت طبيب.. هل عملك يدور حول الفحص ومحاولة العلاج ووصف الدواء اللازم دون امتلاك حقيقي للنتيجة والتي هى دوما هبة من الخالق.. ولكن أن تكون رسالتك كطبيب تتطلب أحيانا أن تعمل في غير الأوقات المعتادة.. أن تستمع لشكوى المريض من أمور غير مَرَضية بالمرة.. أن تتقبل التساؤلات مرة تلو المرة.. أن تقدم للمريض دعما قبلما يذرف دمعا.. ربما تكون تلك رسالتك الشخصية وبصمتك التي تطبعها على وظيفتك..
في خضم اختيارك لتكلفة تلك الرسالة ربما تتساءل هل يتطلب الأمر كل تلك المشقة.. هل سوف يعلم بما قدمته الآخرون.. هل يعلمون كم عانيت لأقوم بتلك المهمة.. أريدهم أن يعلموا ماذا أفعل.. إن كلمات تشجيعهم تدفعني نحو الأمام.. احتاج لمزيد منها.. احتاج كلمات الاطراء.. لم تعد تكفيني.. احتاج ان اقوم بمزيد من الأعمال التي تشعل من اعجابهم..
بكل أسف إن مثل تلك الأفكار قد سرت وسط البشرية سريان النيران في الهشيم.. فانتشرت كلمات الإطراء الذاتي فتجد الشخص يستخدم كلمات لا تستخدم في العادة إلا في صيغة الغائب وقليلا في صيغة المخاطب.. فيصف الإنسان نفسه بصفات يدعيها بدلا من بذل المجهود ليقتنيها..
يصف الإنسان ذاته بالأمانة أو الإجتهاد.. رغم أن تلك الصفات لا تلتصق بالأشخاص إلا عبر رحلة طويلة من تركيب الصور الصغيرة متلاصقة عبر كل موقف نمر به حتى ترسخ تلك الصورة – في ذهن الآخرين– وربما من الحيدة أن يحاول الشخص دوما إقناع ذاته أنه ربما يحتاج إلى الأهتمام بتلك الصفة بشكل أكبر.. فربما كان الأمر كله متوقفا على أن الشخص لم يتعرض بعد لموقف أقوى منه ينال من ثباته..
لكن العكس صحيح.. فصار الإنسان يغذي ذاته بتلك الأفكار من طائفة أن العالم لا يعطيني القيمة التي استحقها.. موقفي صحيح تماما.. الحق في جانبي أنا.. إلى آخر تلك المكونات لصورة يظل الإنسان يبنيها حول ذاته للآخرين فيصدقها هو..
من كل ماسبق نصل لتلك المعضلة التي يضع فيها الإنسان نفسه.. هل من الضروري حقا أن أقوم بعمل يحوي كل تلك المشقة وربما لا يعلم الآخرون بمدى ما اضيفه للبشرية وللتاريخ وربما للمجرة باكملها؟
تسير بنا تلك المعضلة إلى كثير من الظواهر.. فتجد من يعمل في صمت لإضافة قيمة للمجتمع.. وتجد من يملأ الدنيا ضجيجا حول ما تفعله وتصبغ عليه تسمية مبادرة (وفي حقيقتها مناورة) أو عمل خير (وفي حقيقته تعيير)..
فتتراص أصوات الهتاف لذلك العمل الخيري ناسيين أن تقديم الخير لا يليق التشدق به .. وربما لم يحتوى على الخير إلا في عنوانه فقط .. تجد الكثيرين ممن يحاولون الصعود على الأكتاف تجارة بالمشكلة.. رغم أن ما يقومون به لا يصب من قريب أو بعيد في لب المشكلة.. وربما يخشون اختفاء المشكلة في المستقبل.. ففقر خيالهم لا يملكهم أفكار حقيقية للتطوير..
يحتاج المجتمع من حولنا إلى الكثير والكثير.. فهناك الكثير من الملفات التي ربما تظل مفتوحة لطالما ظل الإنسان يتكاثر.. ويظل الصراع دوما بين إضافة القيمة وإلتقاط الصورة.. بين العمل الحقيقي والعمل الصوري.. بين شق البحور وتعليق اللافتات.. بين بناء الحضارة وبناء الحوار.. التنظير والتطوير.. الحديث عن المبادئ وتطبيقها..
وتحتاج تلك الصورة إلى الوقوف في مسافة مشتركة بين الفاعل والمتلقي.. ربما كانت تلك المساحة دينية او ثقافية او فكرية.. الأهم أن تكون تلك المساحة عليها لافتة توافق جمعي.. حتى يكون اتهامك جاهزا متى اعترضت على مدى حقيقة تلك الأعمال.. هل أنت ضد تلك الفئة؟؟ هل أنت ضد عمل الخير؟؟ وتتحول المنازعة حول حقيقة تلك المساحة الفكرية ( والتي في الغالب لا نقاش حولها خاصة مع العقليات التي لم تنل حظا وفيرا من العلم) وليس حول حقيقة العمل ذاته او حقيقة جدواه..
يتطور الأمر بنا حتى تصير الجدوى الوحيدة لعمل ما هى تلك الصورة والظهور بالمظهر المطلوب.. دون التعويل على إضافة القيمة من عدمه.. فلما البحث عن القيمة.. فالجميع ينظرون في فخر واعزاز.. وحملت تلك الأعمال تسمية ليست لها من الأساس..
فإستغلال الفقراء وكشف إحتياجهم وإضافة مؤثرات لآلامهم.. صار عمل خيري.. ومهاجمة موظف بما هو فوق مسئوليته صار عملا رقابيا.. واقتحام خصوصية الآخرين وانتهاك حريتهم صار عملا أخلاقيا..
جمعيات تحمل تسمية منظمات.. ألقاب مدفوعة الأجر جاهزة للإستخدام الفوري.. مسميات الدرجات العلمية.. وهدية فورية: جمهور المهللين..
وكأنما نادي المنادي قديما.. ادّعيها حتى تقتنيها..


