
العصار .. تكليف وتشريف
بصوت رؤى
نادية فوزي
بقلم/
١٧ أغسطس ٢٠٢٠ في ٧:٠٢:٥٢ ص

فى السادس من يوليو من العام الماضى 2020 أُعلن وفاة السيد وزير الدولة للإنتاج الحربى الفريق محمد سعيد العصار ...
لم يمر هذا الخبر على المصريين مرور الكرام ,, ففى الأحوال العادية ومع الأشخاص العاديين كان وقع هذا الخبر هو الحزن على الفقيد والترحم عليه وتكريمه بما يليق لما حققه من إنجازات ..
ولكن وفاة هذا الرجل كانت كإنجلاء السحب لتظهر شمس مواقفه ومجهوداته جلية وواضحة تتحدث عما قام به هذا الرجل من أعمال وبطولات بمنتهى التفانى والترفع عن الظهور الزائف.
إنه "الفريق محمد سعيد العصار" !!
هو المهندس الذى تخرج فى الكلية الفنية العسكرية لعام 1967 فى دفعتها الأولى بعد ان أنشأها الرئيس جمال عبد الناصر ككلية جديدة تطلبتها مقتضيات العصر وإحتياجات المرحلة العسكرية الحرجة أنذاك ، ثم استكمل مسيرته التعليمية بالحصول على درجتى الماجستير والدكتوراة فى مجال الهندسة الكهربائية.
شارك العصار فى حرب الاستنزاف ثم فى حرب الكرامة " حرب أكتوبر المجيدة " كأحد عناصر سلاح المهندسين العسكريين. تقلد العديد من الوظائف التى تتعلق بمنظومة التأمين العسكرى والدفاع المسلح مثل مساعد رئيس هيئة التسليح للبحوث، ورئيس هيئة تسليح القوات المسلحة ومساعد وزير الدفاع لشئون التسليح منذ عام 2003 . حاز على ثقة ثلاث وزراء دفاع متتاليين – وهم المشير حسين طنطاوي، والمشير عبدالفتاح السيسي (آنذاك) ، والفريق أول صدقي صبحي – لإدارة هذا الملف.
عُين الفريق العصار وزيراً للإنتاج الحربى فى حكومة شريف إسماعيل عام 2015 , ومنذ ذلك التاريخ أخذ اللواء العصار على عاتقهِ مهمة تطوير منظومة التسليح المصرية بما يليق مع قوة مصر ومكانتها السياسية والدولية , وأصبحت وزارة الأنتاج الحربى فى عهده مؤسسة صناعية متطورة تعمل كمصدر رئيسى لتسليح القوات المسلحة المصرية وتحقيق قيمة مضافة للإقتصاد المصرى ، وأيضا كمشارك أساسى فى المشروعات القومية والتنموية فى إطار خطط الدولة الطموحة للتنمية المستدامة.
قام الفريق العصار طوال مدة تولية وزارة الأنتاج الحربى بالعمل على عدة محاور :
أولها وضع خطة لتطوير الأداء وبناء القدرات فى كيانات الوزارة المختلفة
وثانيها هو دفع العمل فى مجال المنتجات الحربية،
أما المحور الثالث فهو إستغلال الطاقات الإنتاجية الفائضة للوزارة،
ويتمثل المحور الرابع فى إنشاء خطوط إنتاج وشركات صناعية جديدة.
وأثمرت تلك المجهودات عن إمتلاك وزارة الانتاج الحربى فى عهده منظومة متكاملة تعمل من خلال خمس محاور
"صناعية، تدريبية ، بحثية ، نظم معلومات ITو إنشاءات"
وهو ما جعلها عنصراً رئيسياً فى الصناعة الوطنية – وليس فقط فى مجال التسليح – بما لديها من إمكانيات تكنولوجية وتصنيعية وفنية وكوادر بشرية متميزة.
تنوعت كيانات الوزارة فى عهده الى 17 شركة صناعية، بالإضافة إلى مركز لنظم المعلومات والحواسب، ومركز للتميز العلمى والتكنولوجى، وشركة للإنشاءات والإستشارات الهندسية، إلى جانب قطاع متكامل للتدريب ومركز طبى وقطاع للميادين المركزية للقيام بأعمال إختبارات الأسلحة والذخائر المنتجَة بشركات الوزارة.
إن مبادئ العصار فى عمله بوزارة الإنتاج الحربى كانت متسقة تماما مع فكر الدولة المصرية الحديثة ، والذى يعمل على رفع كفاءة المؤسسات الوطنية وتدريب وتأهيل كوادرها من العاملين بها وخاصة الشباب ، والتعاون فيما بينها وإقامة شراكات مع المؤسسات المختلفة لتبادل الخبرات وتحقيق التكامل بينها.
ففى عهده قامت الوزارة بالتعاون مع وحدة التميز المؤسسى بوزارة التخطيط بإستحداث وحدات جديدة بالهيكل التنظيمى للوزارة تتضمن كل من قطاع الإدارة الاستراتيجية لإعداد إستراتيجية الوزارة ومتابعة تنفيذها. وضعت الوزارة خطة تدريب موجهة بالتعاون مع جهات تدريب متخصصة مثل الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحرى وغرفة التجارة الأمريكية والجامعة الأمريكية ومعهد التخطيط القومى، وغيرهم لرفع كفاءة كافة العاملين بها .
وفى إطار تحول الدولة المصرية إلى المجتمع الرقمى، سعت وزارة الإنتاج الحربى إلى تطبيق منظومة الكود الموحد بالتعاون مع هيئة تسليح القوات المسلحة، وتطبيق مفاهيم الثورة الصناعية الرابعة Full Automation على خط إنتاج "مصنع 300 الحربى " بشركة أبوزعبل للصناعات المتخصصة والذى شهد إفتتاحه الرئيس عبد الفتاح السيسى ، بالاضافة الى إعادة تأهيل وتطوير العديد من المصانع الحربية الاخرى.
وفى إطار المهمة الأساسية للإنتاج الحربى فى تلبية إحتياجات ومطالب القوات المسلحة، فقد تم خلال السنوات الست - فترة تولى العصار لمهام الوزارة - تسليم التعاقدات السابقة و إنهاء صفقات هامة مثل "الرفال" و" الفرقاطة فريم" مع الجانب الفرنسى، بالإضافة إلى إعادة التعاون التقنى مع الجانب الروسى فى مجال خدمات الصيانة وقطع الغيار بالإضافة إلى تنفيذ مشروعات إستثمارية جديدة لإعادة تأهيل وتطوير خطوط الإنتاج الحربى.
كل ذلك إلى جانب التعاون مع الجهات البحثية بالقوات المسلحة لتطوير وإنتاج أنظمة جديدة من الأسلحة والذخائر والمعدات والعربات المدرعة حيث حقق الفريق العصار طفرة في مجال الإنتاج الحربي ، فضلًا عن اتفاقيات التصنيع المشترك مع العديد من الدول مثل كوريا الجنوبية وبيلاروسيا والبرتغال.
كما كان من أهم الإنجازات الهامة خلال هذه الفترة فيما يتعلق بمحور دفع العمل فى مجال المنتجات الحربية تنظيم وزارة الإنتاج الحربى بالتعاون مع القوات المسلحة المصرية لمعرض مصر الدولى للصناعات الدفاعية والعسكرية EDEX 2018.
Egypt Defense Expo "EDEX”
هو أول معرض دفاعي دولي يقام داخل مصر، وعَرض المعرض أحدث تقنيات الأسلحة الجوية والبرية والبحرية. وقد جمع المعرض بين أهم الأسماء فى مجال الدفاع والامن فى المنطقة والعالم ووصل عدد الشركات المتخصصة فى الصناعات الدفاعية والتى شاركت فى المعرض الى 350 شركة يمثلون 41 دولة من مختلف أنحاء العالم وفى هذا المعرض أثبتت مصر قدرتها أمام العالم ليس فقط على إمتلاك أهم الاسلحة والوسائل الدفاعية بل وإنتاجها وتصنيعها أيضا بأحدث الوسائل التكنولوجية الحديثة.
إن أعمال العصار وانجازاته لم تقتصر فقط على فترة توليه مسئولية وزارة الانتاج الحربى , بل قام بدور هام ومحورى خلال فترة دقيقة ومحورية من تاريخ مصر أثناء ثورة يناير 2011، فقد نجح بأسلوبه الهادئ وحنكته السياسية فى تحقيق نجاحات كبيرة إنطلاقا من قدرته على إدارة المشهد السياسى والاعلامى فى الداخل والخارج بكفاءة كبيرة، فقد كان – رحمه الله – جسرا للتواصل بين المجلس العسكرى والقوي السياسية الداخلية من جهة وبين القوى السياسية الخارجية من جهة أخرى. ففى يوليو 2011، ترأس اللواء العصار الوفد العسكري المرسَل إلى الولايات المتحدة لإجراء حوار إستراتيجي مع شخصيات بارزة في مراكز الأبحاث والحكومة الأمريكية، أكد خلالها ثوابت القوات المسلحة والعسكرية المصرية في التعامل مع الأوضاع القائمة في البلاد.
وإبان ثورة 30 يونيو 2013 وقبيل الإطاحة بنظام الإخوان، أرجأت الإدارة الأمريكية تسليم شحنات أسلحة متعاقد عليها مع مصر , بالاضافة الى إستخدامهم كارت المعونة الأمريكية كوسيلة ضغط على الإدارة المصرية وهو ما رفضه العصار فى كل إجتماعاته مع إيصال رسائل واضحة من خلاله مفادها رفض التدخل الأمريكى فى الشأن الداخلى المصرى وأن المعونة الأمريكية على قدر أهميتها لكن مصر تستطيع الاستغناء عنها ولن تكون أبدا وسيلة للضغط على القرار السياسي فى مصر. وعلى الفور عمل على العودة القوية للعلاقات المصرية الروسية عقب إسقاط نظام الإخوان ، حينها نجح «العصار» في تحقيق التقارب مع روسيا وهو ما أثمر عن تنويع مصادر السلاح المصري ، واستمر فى هذا النهج حتى بعد توليه منصبه فى وزارة الانتاج الحربى.
حصل الفريق العصار على العديد من الأوسمة والتكريمات رفيعة المستوى مثل ميدالية الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة و نوط الخدمة الممتازة ووسام جوقة الشرف (رتبة قائد) من فرنسا، وفى يونيو ٢٠٢٠ أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارا بترقية اللواء محمد العصار، وزير الدولة للإنتاج الحربي، إلى رتبة " فريق فخري" مع منحه وشاح النيل.
تميز العصار بالهدوء والحكمة، في المرات القليلة التي ظهر فيها للناس سواء قبل توليه الوزارة أو بعدها. وشهد له الجميع بالإخلاص والثقافة وكان قريباً من كل الأتجاهات الوطنية مستمعاً لكل القوى السياسية حريصاً على الإصلاح الحقيقى للشأن المصرى وأطلق عليه البعض " الجنرال الصامت ".
وفى زمن عز فيه أصحاب المواقف وانسحب من مواجهة صعابهِ كِبار .. كان العصار يعمل بتفانى وإخلاص لخدمه وطنه الغالى مصر.
وبعد نهاية حياة هذا البطل الصبور ، السياسى المحنك ، ورجل الدولة المتفانى ، كان لزاماً علينا أن يعيش بيننا بأسم مكرم وسيرة عطره ..
إن اختيارنا لأسم " الفريق العصار " اسماً لدفعتنا ..
الدفعة الثانية للبرنامج الرئاسى لتأهيل التنفيذيين للقيادة
هو تكليف ... وتشريف
تكليف بأن نحذو حذو هذا الرجل المخلص الوطنى
وتشريف لنا بحمل اسمه الكريم ، ليكون لنا لقبا يميز المتفانين فى العمل والمخلصين للوطن لنكون كلنا
ك" العصار".
أن فى سيرة العصار ما قد وُصِف فى نعيه بأنه..
"رجل دولة من طراز فريد وقيمة وطنية عظيمة".
"لقد كان الفقيد من أخلص الرجال الذين خاضوا غمار التحدي من أجل وطننا العظيم، ولم يدخر من أجله جهدا، بل كان دائما فى صدارة رجال مصر المدافعين عنها"
إن كل كلمة من هذا الوصف تشريف وتكليف لنا خريجى الاكاديمية الوطنية للتدريب كل فى موقعه، بل وأيضا مبدأ عمل وعلم ودستور حياة ..
لكى نصبح رجال دولة وأن نتحمل المسئولية ونبذل الجهد بمنتهى الإخلاص دون إدعاء زائف أو ظهور مصطنع.
ولكى نصبح قيمة يفخر بها وطننا، ونعلى شأنه وشأن شعبه العظيم ..


